ابن خاقان
487
قلائد العقيان ومحاسن الأعيان
ممحلة ، فتشوّفت مستوحشا ، ووقفت منكمشا ، لا أجد أين أريح ، ولا أرى مع من أستريح ، فبعد ونية ما ، لقيني من أنزلني بها في منية ، نائية عن الدّيار ، خالية من العمّار ، فما حططت حتّى وافاني رسوله يتحمّل رغبته في الانتقال إليه ، والنّزول عليه ، فاعتذرت له ، وشكرت تطوّله وتفضّله ، فما كان غير بعيد حتّى وافاني مسلّيا ، ولي مؤنسا ، وأعاد لي المكان مكنسا / ، وبتنا بليلة لم أجد للدّهر [ 161 / ظ ] غيرها ، ولم أحمد إلّا طيرها ، ولمّا كان الغلس تركني مزمعا ؛ وانفصل عنّي مودّعا ؛ فلمّا حلّ بموضعه ، كتب إليّ : [ - رقعة له إلى المؤلف في وداعه ] استكمل اللّه لمثنى الوزارة سعادة ، واستوصله من سموّها عادة « 1 » ، وأسأله المسرّة بدنوّها معادة « 2 » ، كيف لا أراقب مراقي النّجوم ، وأطالب مآقي العين بالسّجوم ، وقد أنذر بالفراق منذر ، وحذّر من لحاق البين محذّر ، ويا ليت ليلنا غير محجوب ، وشمسنا لا تطلع بعد « 3 » وجوب ، فلا نروع بانصداع ، ولا نفجع بوداع ، حسبنا اللّه ، كذا بنيت « 4 » هذه الدّار ، وأبى سبحانه أن تصل شمل « 5 » أنسنا الأقدار ، ولعلّها تجود بعد لأي ، وتعود إلى أحسن رأي ، فتنظر رحيلا ، وتعمر ربعا محيلا . وكنت كثيرا ما أخاطبه على البعد ، وأواصله بتجديد العهد ، فوافى بلنسية « 6 » فلم يمكن لقاؤه ، ولم يتمكّن بقاؤه ، فارتحل وكتب إليّ :
--> ( 1 ) ر ط ع : عيادة . ( 2 ) وأسأله . . . معادة : ساقطة في ع . ( 3 ) ر : إلّا بعد وجوب . ( 4 ) ط : بقيت . ( 5 ) ب ق ط : شمس أنسنا ، ر : شمل شمسنا . ( 6 ) بلنسية : في شرق الأندلس ، وهي مدينة سهلية وقاعدة من قواعد الأندلس . -